ابن عجيبة
483
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً : رقباء مطلعين عليه ظاهرا وباطنا ، إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ : حين تخوضون فيه وتندفعون إليه ، يقال : أفاض الرجل في الأمر : إذا أخذ فيه بجد واندفع إليه ، ومنه : فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ « 1 » ، وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ أي : ما يغيب عنه مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ : ما يوازن نملة ، فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ والمراد : لا يغيب عنه شئ في الوجود بأسره ، وخصهما لأن العامة لا تعرف غيرهما . قال في الكشاف : فإن قلت : لم قدّم هنا الأرض بخلاف سورة سبأ « 2 » ؟ فالجواب : أن السماء قدمت في سبأ لأن حقها التقديم ، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض . ه . وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي : اللوح المحفوظ ، أو علمه تعالى المحيط ، المبيّن للأشياء على ما هي عليه . الإشارة : هذه الآية وأمثالها هي أصل المراقبة عند القوم ، وهي على ثلاثة أقسام : مراقبة الظواهر ، ومراقبة القلوب ، ومراقبة السرائر . فالأولى للعوام ، والثانية للخواص ، والثالثة لخواص الخواص . فأما مراقبة الظواهر : فهي اعتقاد العبد أن اللّه يراه ، ومطلع عليه في كل مكان ، فينتج له الحياء من اللّه ، فيستحيى أن يسئ الأدب معه وهو بين يديه ، وفي بعض الأخبار القدسية : « إن كنتم تعتقدون أنى لا أراكم ، فالخلل في إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أنى أراكم فلم جعلتمونى أهون الناظرين إليكم ؟ » . وقال - عليه الصلاة والسلام - : « أفضل الناس إيمانا من يعلم أن اللّه معه في كل مكان » أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : وروى أن عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنه مرّ براعي غنم ، فقال له : أعطنا شاة من غنمك ، فقال له : ليست لي . فقال له : قل لصاحبها أكلها الذئب ، فقال له الراعي : وأين اللّه ؟ ! . وروى أن رجلا خلا بجارية فراودها على المعصية ، وقال لها : لا ترانا إلا الكواكب ، فقالت له : وأين مكوكبها ؟ . وأما مراقبة القلوب فهي : تحقيق العبد أن اللّه مطلع على قلبه ، فيستحى منه أن يجول فيما لا يعنى ، أو يدبر ما لا يفيد ولا يجدى ، أو يهم بسوء أدب ؛ فإن جال في ذلك استغفر وتاب . وأما مراقبة السرائر فهي : كشف الحجاب عن الروح ، حتى ترى اللّه أقرب إليها من كل شئ ، فتستحى أن تجول فيما سواه من المحسوسات ، فإن فعلت بادرت إلى التوبة والاستغفار ، فالتوبة لا تفارق أهل المراقبة مطلقا ، وقد تقدم في أول سورة النساء « 3 » بعض الكلام على المراقبة ، فمن لم يحكم أمر المراقبة ، لم يذق أسرار المشاهدة .
--> ( 1 ) من الآية 198 من سورة البقرة . ( 2 ) في قوله تعالى « عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض . . . » الآية : 3 . ( 3 ) راجع إشارة الآية الأولى من سورة النساء .